علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
276
شرح جمل الزجاجي
يكن سببا لما بعدها فليس إلّا النصب ، نحو : " سرت حتى تطلع الشمس " ، وزعم أهل الكوفة أنّ الرفع جائز ، حكوا من كلامهم : " سرت حتى تطلع الشمس بعرفة " . وهذا من أسوأ ما سمع عنهم ، ألا ترى أنّ هذا سبب ، لأنّ طلوع الشمس بهذه البقعة يكون سبب جدّ السير لو ضعف ، فهم قد أخذوا سببا ، وغلطوا فيه ، وجعلوه غير سبب ، وكسروا القانون بناء على فهمهم السّيّىء . وخالف الفراء فيما لا يتطاول من الأفعال فمنع فيه النصب . والذي لا يتطاول هو الذي لا يمتد ، نحو : " قمت حتى آخذ بحلقه " ، لا يجوز هنا عنده النصب ، لأنّ هذا الفعل لا يمتد ، فليس له غاية ينتهي إليها ، وإنّما أردت : قمت فأخذت ، ولم يتماد القيام حتى لزم أن يكون قمت إلى هذه الغاية . وهذا فاسد ، لأنّه ينتصب على معنى " كي " ، كأنّه قال : " قمت كي آخذ بحلقه " ، وزعم أنّه لم يسمع فيه إلّا الرفع ، فإن كان ما قال حقا ، فيكون عليه أنه جعله لقربه من الحال كأنّه حال ، فلم يكن فيه إلّا الرفع ، ولا يمتنع النصب بل يجوز بالقياس ، ولا مانع يمنع منه إذا أورد . وهم قد خالفونا في السببيّ وفي غير السببيّ ، وخالفونا أيضا في مسألتين أخريين من السببيّ وغيره . فأمّا الكسائي فإنّه زعم أنّ الحال ، وإن كان ما قبله سببا ، فإنّه يجوز نصبه ، فأجاز النصب فيما أنشده البصريون من قول الشاعر [ من الكامل ] : " 552 " - يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم * لا يسألون عن السّواد المقبل
--> ( 552 ) - التخريج : البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص 123 ؛ وخزانة الأدب 2 / 412 ؛ والدرر 4 / 76 ؛ وشرح أبيات سيبويه 1 / 69 ؛ وشرح شواهد المغني 1 / 378 ، 2 / 964 ؛ والكتاب 3 / 19 ؛ وهمع الهوامع 2 / 9 ؛ وبلا نسبة في شرح الأشموني 3 / 562 . اللغة : يغشون : يقصدهم الناس لينالوا معروفهم . تهرّ كلابهم : تعوي . السواد والأسودات والأساود : جماعة من الناس ، والسواد : الشخص . المعنى : اعتاد الناس على زيارتهم ، ونيل معروفهم ، حتى صارت الكلاب لا تنبح لقدوم الناس ، لاعتيادها على قدومهم ، حتى الغريب القادم لا يسألونه من يكون ، أي يكرمون الجميع ، أو لا يسألون عن عدد القادمين فهم على استعداد ومقدرة . الإعراب : يغشون : فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة ، و " الواو " : ضمير متصل في محلّ رفع فاعل . حتى ما : " حتى " : حرف ابتداء ، " ما " : نافية لا محلّ لها . تهرّ : -